الاخبار

طار إلى الإمارات .. المهدي .. استشفاء أم تليين مواقف؟

22views

وحاول وقتها النميري عن طريق جهاز أمنه بقيادة اللواء عمر محمد الطيب، أن يخلق بديلاً للإمام الصادق المهدي في زعامة طائفة الأنصار من آل البيت وأحضروا الشخصية التي راهنوا على نجاحها إلى مكاتب الجهاز واتفقوا معها على القيام بعمل سياسي وإعلامي في دائرة الوجود الأنصاري في مناطق نفوذهم التقليدية من بينها مدينة أم درمان، ثم قاموا بتقديم دعم عيني ومالي سخي له يتمثل في عدد من السيارات، الا أنه بعد مدة قليلة تبين لقادة النظام وجهاز أمنه أن الشخصية التي تمت المراهنة عليها لا تمتلك عناصر النجاح المطلوب لمنافسة زعيم سياسي محنك كالصادق المهدي ويمتلك الملكة الفكرية والكارزيما الضرورية للزعامة .
ولهذا قرروا صرف النظر عن الفكرة، وأوقفوا دعمهم للشخصية البديلة التي أخفقت تماماً في مهمتها شبه المستحيلة .
وحتى نظام الإنقاذ القابض عمل على تذويب شخصية الإمام الصادق المهدي وشق حزبه السياسي إلى فصائل متعددة، ولم ينجح في تلك المساعي لأن الحزب رغم تجذره السياسي العريض لكنه في الأساس كان يستمد ألقه وقوته من كارزيما ومقدرات الإمام السياسية والفكرية .
حتى أن النظام عمل على تضييق عمل الحزب السياسي حتى بعد صدور قانون الأحزاب، وحاولوا استخدام كل أساليب الاستقطاب التي يجيدونها بامتياز، والتي دائماً ما تأتي بعد موجة قوية وطويلة من وسائل الضغط الأمني الذي يشمل الحصار الاقتصادي والرقابة الظلية الدائمة للشخصية المستهدفة .
الا أن المهدي ظل حاضراً ومتماسكاً في خطابه السياسي العام، وإن تذبذبت بعض مواقفه من حيث القوة وعدم الإبانة الكافية والمناورة في بعض الأحيان، ربما بسبب الضغوط الكبيرة في ظل النظام الاستبادي البائد .
لكن مع ذلك لم يستطع النظام بكل جبروته وآلته السياسية والإعلامية أن يسلب من الإمام المهدي شهادة الزعامة والكارزيما والتأثير المحلي والدولي .
تحولات في ظل الثورة
وفي عهد ثورة ديسمبر المجيدة شكل المهدي حضوراً سياسياً ليس من خلال وزنه الطائفي والحزبي فقط، بل من خلال قدرته السياسية المؤثرة، بالرغم من التحول الكبير في المشهد السياسي بعد الثورة وسيطرة القوى الحديثة عليه مثل الشباب والنقابات المهنية وصعود الأحزاب اليسارية كالحزب الشيوعي أو القومية بتركيبتها المختلفة، الا أن صوت الإمام لم يجبه كل ذلك الزخم وبدا مؤثرأً في الساحة السياسية التي تموج الآن في مد وجزر، بل ارتفعت أسهمه كأكثر لاعب سياسي محترف وفاعل على إثر التحولات التي أفضت إلى عقد اتفاقية السلام والتطبيع مع إسرئيل والدعم الدولي والإقليمي للحكومة بعد حالة من الانسجام في المواقف بين المكونين المدني والعسكري، واصطفافهما لصياغة تفاهمات مشتركة حول هيكلة الحاضنة السياسية (قحت) وتشكيل المجلس التشريعي القادم، وكلها كانت لها إسقاطاتها في إضعاف أصوات اليسار القومي والماركسي سيما في المرحلة المقبلة .
استشفاء أم تليين مواقف؟
ولعل موقف الإمام المهدي المتشدد من التطبيع مع إسرائيل شكل نقطة قوة للقوى اليسارية والقومية الرافضة له، بينما سبب إزعاجاً لتيار الحكومة سيما العسكري الداعم له بقوة والساعي لفرضه على الواقع من خلال الاتفاقيات المرحلية بين تل أبيب والخرطوم ومن ثم البصم عليه من خلال المجلس التشريعي، إلا أن المراهنة على المجلس التشريعي لا يمكن التأويل عليها تماماً ما لم يتم ترتيب ذكي في التوازنات السياسية .
وقد بدأت قوى الحرية والتغيير والجهات السياسية الأخرى في اختيار منسوبيها في المجلس التشريعي الذي بدأ العد التنازلي لقيامه، وتراهن (قحت) على أغلبيتها في المجلس لتمرير اجندتها من خلال المواقف المتفق عليها سيما نسبياً رفض التطبيع مع إسرائيل في ظل دعم الإمام المهدي لها، ويسعى المكون العسكري وبعض رموز المدني بما فيها رئيس الوزراء حمدوك، الى أن تتحول أشرعة المهدي إلى تيارها المساند للتطبيع مع إسرائيل، أو على الأقل الوقوف بحياد في المجلس التشريعي من خلال ممثليه أو في الخطاب السياسي العام .
وحملت الأنباء أن المهدي بعد إصابته بفايروس (كورونا) قد سافر بطائرة للاستشفاء في الإمارات، رغم أن بيان حزبه قال إن حالته مستقرة، بيد أن الملاحظ ان الطائرة لم تكن طائرة إسعاف مزودة بأجهزة التنفس والطواقم الطبية، كما أن الإمارات رغم أنها مصنفة تصنيفاً حسناً في الرعاية الطبية لكنها لا تقع ضمن الدول التي يقصدها السودانيون أو العرب بغرض السياحة الطبية مقارنة بمصر أو الأردن .
مما يعني أن هناك دواعي أخرى للزيارة مسكوت عنها غير الاستشفاء العلاجي، مثل إجراء تفاهمات سياسية مع المسؤولين الإماراتيين حول المشهد السياسي في السودان في المرحلة المقبلة، والتحالفات السياسية التي ستظهر في السطح، وقضية التطبيع مع إسرائيل التي ترعاها الإمارات العربية باهتمام كبير، ويشكل الإمام المهدي أكبر معيق لها في الساحة السياسية في السودان .
فهل يغير الإمام موقفه من التطبيع مع إسرائيل؟ وبالطبع ليس من الممكن أن يفصح الإمام بحنكته السياسية عن تغيير انقلابي مفاجئ حول هذا الأمر بعد زيارته للإمارات، لكنه على الأقل سيكون موقفه أكثر ليناً وأقل معارضة له، والمعروف أن للمهدي مواقف ناجحة ومؤثرة قادها ضد التيار الشيوعي إبان حكومة سر الختم الخليفة الأولى بعد سقوط نظام عبود في الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964م، حيث نجح في إسقاط الحكومة باعتبار أن الشيوعيين كانوا مهيمنين عليها، وهو أمر يبدو أن الدوائر الدولية والإقليمية الآن تلهث لتحقيقه، خاصة في ظل رفض القوى اليسارية التطبيع مع إسرائيل وتحقيق سياسة الانفتاح الاقتصادي مع المجتمع الدولي والصناديق الدولية، ووجود الشركات الأمريكية الكبرى في المرحلة القادمة، وهو ما يجعل الولايات المتحدة تخشى أن تؤثر ضغوط الشيوعيين في الحاضنة السياسية أو التشريعية في عرقلة ذلك النشاط الاقتصادي بخطابها السياسي المكثف الذي يصف تلك الأنشطة بالطفيلية والهيمنة الرأسمالية الدولية، كما ينطبق أيضاً على الشركاء العرب في الخليج في حراكهم الاقتصادي الذي يستهدفون به مصالحهم الاقتصادية والسياسية التي يعتبرونها ذات صلة بأمنهم القومي.

الانتباهة

Leave a Response