الاخبار

عودة قادة الحركات.. عقبات قانونية

487views

وإن كانت الحكومة قد حددت مع الجبهة الثورية تاريخاً جديداً لعودة قيادات الأخيرة إلى السودان، بعد أن تم تأجيله في وقت سابق، الا أن تصريحات أطلقها رئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي حول رفضه ربط وصول تلك القيادات إلى الخرطوم بصدور مراسيم عفو رئاسي من رئيس مجلس السيادة، فتحت الباب واسعاً أمام جدل قانوني وسياسي يحتاج إلى نقاش للبحث عن معالجة، من واقع أن بعضهم يواجه تهماً جنائية بعضها في الحق العام وبعضها في حق خاص، وإن كان مناوي قد ربط الأمر بالنظام السابق بقوله: (إن قادة الحركات المسلحة ليسوا بحاجة إلى صدور مراسيم عفو بعد سقوط النظام الذي كانوا يحاربونه)، واعتبر اتفاق السلام نفسه عفواً، وتساءل قائلاً: (خلافنا مع النظام السابق سياسي وليس جنائياً، فما حاجتنا لعفو؟)، ولكن ربما جاء حديث الرجل من بوابة سياسية لا علاقة لها بالمنطق القانوني الذي يعتبر أن كل البلاغات في القضايا المفتوحة بموجب إجراءات قضائية تظل سارية، وهو ما أكّده الخبير القانوني عبد الله درف في حديث لـ (الإنتباهة) بقوله إنه في حال عدم صدور قرارات العفو الرئاسي ستكون تلك الاجراءات القانونية موجودة، وأنّ الموضوع لا علاقة له بالنظام السابق.
وربما ان الأمر ليس مقتصراً على القوانين الموجودة وسارية المفعول، ولكنه مرتبط باتفاق سلام جوبا نفسه الذي نص في المبادئ العامة على (التأكد من مساءلة جميع مرتكبي انتهاكات حقوق الانسان والقانون الانساني الدولي وفقاً لاختصاص المحاكم الوطنية او محكمة الجنايات الدولية او المحكمة الخاصة بجرائم الحرب في دارفور)، وانطلاقًا من هذا النص ومع ماهو موجود فإن العفو الرئاسي يعتبر امراً مهماً بالنسبة لبعض قيادات الحركات الذين فتحت في حقهم بلاغات جنائية؛ أو حكم صادر ضدهم في الحق العام، وهنا فإن الذاكرة تحفظ البلاغات التي صدرت ضد قيادات الحركة الشعبية شمال أبرزهم مالك عقار وياسر عرمان، والخاصة بتقويض النظام الدستوري او القتل العمد، وكذا بلاغات جنائية أخرى ضد قيادات بحركة العدل والمساواة قيادة جبريل ابراهيم، مرفوعة ضدهم من قبل حركة العدل قيادة دبجو، على خلفية مقتل قائد الحركة وقتها محمد بشر ونائبه أركو سليمان ضحية اللذين قتلا وعدد من مرافقيهما في مايو من عام 2013م إثر هجوم على موكبهم بمنطقة (بامينا) داخل الحدود التشادية، إثناء تحركهم صوب الخرطوم، على يد مسلحي حركة العدل والمساواة، وذلك بعد أيام من توقيعهم اتفاق سلام مع الحكومة، ودون مكتب المدعي العام لجرائم دارفور بالفاشر قبل ثلاث سنوات بلاغات جنائية في مواجهة (18) من المتهمين بالهجوم على موكب بشر، وهو واقع جددته الحركة بالمطالبة باتخاذ إجراءات قانونية في مواجهة قيادات حركة جبريل إبراهيم الذين وصلوا إلى الخرطوم في وقت سابق،
وثمة نقاط تحتاج إلى معالجة قبل وصول تلك القيادات إلى الخرطوم، وهي إسقاط القضايا ضدهم بعفو رئاسي، الا ان الأمر الأكثر أهمية هو أن العفو الرئاسي يمكنه أن يشمل القضايا التي لها علاقة بالحق العام، ولا يمكنه مطلقاً إسقاط ما هو متعلق بالحق الخاص. ويقول عبد الله دِرف إنه يجوز أن يصدر عفو رئاسي واسقاط عقوبة لمن صدرت في حقهم احكام غيابية وذلك في الحق العام، إضافة إلى بعض البلاغات التي لم تتحول إلى سوح القضايا، ويجوز للنائب العام أن يستخدم سلطاته تحت المادة (158) لإبطال تلك البلاغات. وأضاف دِرف قائلاً: (لكن في كل الأحوال ينبغي ألا تكون هذه القضايا في الحق الخاص). وبناءً على هذه المعطيات فإن البعض يرى أنه من الأهمية بمكان استعجال العفو الرئاسي، لأن تحريك اي من الاجراءات المعنية ضد أي من القيادات سيحدث تشويشاً لعملية السلام، وهو ما أشار إليه الخبير القانوني عبد الله الجيلاني الذي قال لـ (الإنتباهة) إنه من الضروري صدور عفو عام عن رئاسة الجمهورية حتى يتسنى لمن صدر في حقه حكم مسبق التمتع بحقوقه كاملة ولا يتعرض للمساءلة القانونية، وأضاف قائلاً: (هناك جرائم الحق الخاص وهذه لا يجوز فيها العفو العام اذا تمسك اولياء الدم بحقوقهم القانونية)، وربما الكل يتذكر حادثة إعادة وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال بقيادة ياسر عرمان عندما تم إبعادهم إلى جوبا بعد وصولهم بأيام إلى الخرطوم، وكانت حجة المجلس العسكري وقتها أنّ عرمان ملاحق قضائياً، وان وجوده في ظل أوضاع كهذه ستجعله عرضة للملاحقة القانونية.
وإن كان للبعض رأى آخر حول المسألة، لجهة ان العفو الرئاسي احياناً يضر بهيبة واستغلالية القضاء. وهنا يقول استاذ القانون عمر الحاج: (إن الأصل في أحكام المحاكم أنها نافذة منذ لحظة صدورها، ولا تبطل إلا بقرار صادر عن محكمة أعلى مختصة استئنافاً أو نقضاً أو مراجعة أو طعناً دستورياً، وما خلا ذلك لا يجوز البتة، خاصة إذا صدر بطلانها من جهة سياسية أو تنفيذية، فإن ذلك يعد إهداراً لمبدأ استقلال القضاء)، وأضاف الحاج في حديثه لـ (الإنتباهة) قائلاً: (لم أجد قاعدة ذهبية احتفل بها الفقه القانوني وجعلها أحد شروط دولة القانون مثل قاعدة (الفصل بين السلطات الثلاث)، ومن هنا فإن إلغاء أحكام المحاكم بواسطة اية جهة غير المحاكم يعتبر إخلالا ًبمفترضات هذه القاعدة ومساساً كبيراً بها), ويرى الحاج أنه ليس أمام قادة حركات الكفاح المسلح إلا الإذعان لقرارات المحكمة، وتابع قائلاً: (لهم الخيار في الاسترحام أمام رئيس القضاء).

الانتباهة

Leave a Response