الاخبارالتقارير

“سيداو .. وقائع اتفاقية حركت الجدل الديني وجدت التاييد والرفض!!

553views

عبدالقادر حيدر- المجرة

في مجتمعنا السوداني ، اعتدنا علي نشوب جدالات موسمية ثابتة لا تتغير كثيرا ، مثل مريخ هلال (او العكس) التي تشتد – علي الأقل – مرتين في الموسم اوان لقاءهما في الدوري الممتاز . وصراع الطوائف السلفية مع الجماعات الصوفية أبان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، بلغة خطاب متكررة ولا تتغير كثيراً، كلٌ يفع بحججه و اسانيده و مبرراته وانه علي الحق . الا أن في الفترة الحالية وبرغم توفر كل المعطيات الكفيلة باطلاق كافة المعارك المعتادة الا ان الجميع انصرف عنها الي جدال من شاكلة أخري. من منابر المساجد الي حلقات المثقفين مرورا بالمكاتب والأسواق أحتدم جدال عميق حول “سيداو”. من أقصي الفائدة الي أشد الضرر تتراوح آراء المؤيدين المتشددين والمعرضين المتطرفين. البعض يصورها وكأنها العصاة السحرية التي ستصلح كل شي، والبعض يؤكد أنها الغول الخرافي الذي سيقود عالمنا الي الجحيم ، اذن ماهو هذا الشيء القادر علي اثارة مثل هذا الجدل الكبير؟ وكيف له أن يملك هذه القدرة علي فرض تباين واسع في الأراء اقل ما يقال عنه أنه مثير للحيرة؟ هذه محاولة للتنوير بماهية هذه الاتفاقية وعرض سريع لتاريخها وأهم بنودها ، عسي أن تيسر لنا فهما موضوعيا لما يجري ، متجاوزا تاثيرات انماط الخطاب المختلفة التي تسعي لفرض وجهة نظرها علي العامة دون محاولة جادة لوضع الحقائق “المجردة” أمام الكافة ليكون لكل منا موقفه المبني علي قناعاته الخاصة .

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

هي معاهدة دولية تعرف بـ” اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة” و -سيداو هو اختصار لعنوانها باللغة الانجليزية- والتي أعتمدت بصورة رسمية من الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1979 ، وتوصف بـ” وثيقة الحقوق الدولية للنساء“، والتي تشبه كثيرًا معاهدة “اتقاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري”، سواء بالنظر إلى التزامات أي منهم أو طريق تفعيلهما ومتابعتهما.

الموقعون علي الاتفاقية

تم التصديق على هذه المعاهدة في 3 سبتمبر من عام 1981 ووقع عليها أكثر من 189 دولة، تقدمت ددولة السويد العالم كأول دولة توقع علي الاتفاقية ومن ثم تبعتها عشرين دولة أخري لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بحلول العام 1981 و بحلول العام 2009 بلغ عدد الموقعين 186 دولة .
من بين الدول الموقعة أبدت خمسين دولة بعض التحفظات والاعتراضات خصوصا علي البند “38” من الاتفاقية المتعلق بسبل تسوية الخلافات المتعلقة بالاتفاقية ، كما ان استراليا اوردت في تحفظها ان هناك بعض التقييدات يفرضها دستورها . وقد وقعت كل من الولايات المتحدة وبالاو علي التفاقية الا انهما لم يفعلاها حتي الآن. اما آخر المنضمين للاتفاقية فهي جمهورية جنوب السودان التي وقعتها في العام 2015 .

الرافضون للاتفاقية

لم يوقع على الاتفاقية كلًاً من الكرسي الرسولي (وهو خارج منظومة الأمم المتحدة) وإيران والصومال والسودان وتونغا.

بنود المعاهدة

تتكون كل المعاهدة من 6 أجزاء وتحتوي هذه الأجزاء على 30 مادة، علي صدرها تأتي المادة الأولي التي تعرف التمييز ضد المرأة “بأنه أي تميز أو إقصاء أو تقييد يتم بناء على الجنس وله تأثير أو غرض على إضعاف وإبطال اعتراف، وممارسة، واستمتاع المرأة بكافة حقوقها الإنسانية وحرياتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية وكافة الحريات الأخرى، بغض النظر عن حالتها الزوجية ووفقًا لأساس واحد وهو المساواة بين الرجل والمرأة”.

عدم التمييز، الاتجار بالجنس و انواعه

الجزء الأول من المعاهدة والذي يضم المواد من (1) الي (6) اهتم بتعريف التمييز ضد المرأة و الاتجار بالجنس وانواعه ، اذ حثت المواد من الثانية وحتي السادسة الدول الموقعة علي الاتفاقية ان تضمن مبدأ المساواة بين الجنسن في دساتيرها المحلية، والغاء جميع القوانين التي تسمح بالتمييز بين الجنسين اضافة لسن القوانين والتشريعات وانشاء المحاكم و المنظمات المجتمعية التي تهدف لتوفير حماية فعالة للمرأة ضد أي تمييز، واتخاذ كافة التدابير ضد المؤسسات والهيئات والأفراد الذين يمارسونه.
وشدد هذا الجزء علي ضمان حقوق الانسان للمرأة “على أساس المساواة بين الرجل والمرأة” في كافة الأصعدة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية وأيضًا الثقافية.
ونص ايضا في مواده من (4) حتي (6) علي ضرورة محاربة اي تجمعات او تحزبات تقوم علي فكرة “دونية” أو “تفوق” أحد الاجناس علي الآخر ومحاربة الأفكار النمطية من شاكلة “أن لكل جنس دور معين يقوم به دون الجنس الأخر”.وأن يضمنوا “الاعتراف بالمسئولية المتبادلة بين الرجل والمرأة في تربية وتنشئة أطفالهم”. كما أكد علي ان حماية حقوق الأمومة لا تعد تمييزاً.

الحقوق السياسية وحق الحصول علي الجنسية.

الجزء الثاني : يحدد هذا الجزء حقوق المرأة في المجتمع عموما بالتركيز علي حقوقها السياسية الذي يتضمن مشاركتها في الحياة السياسية بصورة سوية ، وضمان المساواة في حق التصويت ، المشاركة في التشكيل الحكومي وضمان حقها في المشاركة في”كافة المنظمات والاتحادات المهتمة بالشأن العام والحياة السياسية للبلاد”. وحقها في المشاركة في؛ و ضمان الفرص العادلة لهن في تمثيل بلاده والمشاركة في اعمال المنظمات الدولية.كما نص هذا الجزء علي ان علي الدول الأطراف أن “تضمن أن تتساوى المرأة مع الرجل في حقها في اكتساب، أو تغيير، أو الإبقاء على جنسيتها، و التساوي بينهم في الحقوق “تبعًا لجنسية ابنائهم”.

التعليم، العمل، الصحة .. المرأة الريفية

اختص هذا الجزء من التفاقية علي تأكيد مبادي توفير فرص التعليم المتساوية للجنسين والحث علي اقامة المدارس المشتركة والتساوي في الفرص لممارسة الألعاب الرياضية والعمل علي “خفض معدلات انقطاع الفتيات عن التعليم”.
اما بالنسبة لحقوق العمل فتصفها الاتفاقية بانها “حقوق طبيعية –غير قابلة للتصرف- لكل الجنس البشري” كما أكدت بشدة علي مسائل الحصول على نفس المقابل لنفس العمل، والحصول على بعض الضمانات الاجتماعية، كذلك الحق في الحصول على إجازات مدفوعة الأجر وإجازات للأمومة –مثل الوضع- «كل هذا بأجر أو مزايا اجتماعية متماثلة دون فقدان الأقدمية، أو العلاوت الاجتماعية» وأي فصل يتم بناء على أساس الأمومة، أو الحمل، أو الحالة من الزواج يجب أن تُحظر بعقوبات.
ايضا فند هذا الجزء أمر توفير الحماية اللازمة للمرأة الريفية ولمشاكلها، وتؤكد على حقها في المشاركة في مشروعات التنمية، “وتوفر لها التسهيلات اللازمة للحصول على رعاية صحية جيدة”، “وأن من حقها المشاركة في كافة الأنشطة المجتمعية”، “ولها الحق أيضًا في الحصول على قروض الائتمان الزراعي”، وكذلك “حقها في التمتع بظروف ملائمة للحياة”.

 المساواة أمام القانون، الزواج وتكوين الأسرة

 

يوجب هذا الجزء من الفاقية علي جميع الموقعين ضرورة ان يلتزموا بـ”مساواة المرأة مع الرجل أمام القانون، بما في ذلك أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل”. كما يشدد على “حصول المرأة علي نفس حقوق الرجل فيما يتعلف بالقانون الخاص بالتحركات الشخصية، وكذلك حريتها في اختيار محل إقامتها ومكان سكنها”.

كما اهتم هذا االجزء بـ جميع أنواع التمييز ضد المرأة في جميع الأمور المختصة بالزواج وتكوين أسرة”. فتكفل هذه المادة لكلًا من الزوج والزوجة “نفس الحق في الزواج، واختيار شريك الحياة بحرية”، “وتكفل لهم نفس الحقوق والواجبات أثناء الزواج أيضًا إذ قررا الانفصال”، “ولهم نفس الحقوق والواجبات في كونهم والدي الأطفال”، “نفس الحق في حرية اختيار عدد الأطفال والمدة بين إنجابهم إذا قررا إنجاب أكثر من طفل”، “نفس الحقوق والواجبات كزوج وزوجة متساويين في اختيار اسم للأسرة، وتحديد المهنة”، “نفس الحقوق لكلا الزوجين في التعامل مع ممتلكات الأسرة من حيث الحق في امتلاك، حيازة، إدارة، التحكم، التمتع وحرية التصرف في هذه الممتلكات، سواء إن كان هذا التصرف مجاني أو بمقابل ما”.

التحفظات علي الاتفاقية

هناك الكثير من التحفظات على العديد من مواد هذه الاتفاقية منذ صدورها، وهناك أيضًا العديد من التحفظات التى ليس لديها تحديد لأحد أجزاء الاتفاقية بالتحديد ولكنه اعتراض على الاتفاقية بشكل عام على جميع الأصعدة التي تهدف الاتفاقية إلي العمل عليها من ذلط تعارض الاتفاقية مع أحد مباديء الدولة اذ نجد مثلا ان موريتانيا وضحت موقفها كالتالي ” أنها توافق على كل مبادئ الاتفاقية التي لا تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية”. لذا فان كثير من تحفظات الدول الاسلامية محل جدل. وفى مايو من عام 2015، قد وصل عدد الدول التي أبدت تحفظات على أجزاء من الاتفاقية إلى 62 دولة من الدول الأطراف.وقد سجلت 24 دولة اعتراضها على واحد من هذه التحفظات على الأقل. وكانت المادة 29-تتعلق هذه المادة بحل المنازعات وتفسير الاتفاقية نفسها- هي الأكثر حظوظًا في الحصول على هذه التحفظات حيث تم تسجيل 39 تحفظ عليها، ولكن مثل هذه العدد من التحفظات على مادة واحدة فقط لم يثير الكثير من الجدل لأن الاتفاقية نفسها تسمح بالتحفظ على هذه المادة.وحصلت المادة 16-تهتم هذه المادة بالمساواة بين الرجل والمرأة في الحياة الزوجية – على 23 تحفظ. وبالرغم من أن التحفظ على المادة رقم 2 والتي تتعلق بعدم التمييز ضد المرأة بشكل عام قد منعتها اللجنة المعنية في التوصية رقم 28 من التوصيات العامة الخاصة بالاتفاقية إلا أن هنالك 17 تحفظ ضدها.

النزاع على تنفيذ الاتفاقية

يأتى الرفض تجاه اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة من إتجاهين متعاكسين ومختلفين وهم كالتالى…

1/ رفض ديني واجتماعي من قبل المحافظين: ويرى هذا الإتجاه أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تسعى لفرض معيار ليبرالي وتقدمي نسوي على البلدان وهذا لن يكون على حسب أي شيء آخر سوى القيم والتقاليد المجتمعية.

2/ رفض من قبل النسوية الراديكالية – هي حركة نسوية تستند إلى أن جذر عدم المساواة الاجتماعية في كل المجتمعات المستمرة حتى الوقت الحالي ترجع إلى النظام الأبوي وهيمنة الرجل على المرأة- ويرى هذا الجانب أن الاتفاقية لا تسعى لقضاء حقيقي وفعلي على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بل يرون أنها مجرد نوع من أنواع الليبرالية النسوية الضعيفة.

ليصلك كل جديد انضم لقروب الواتس آب


Leave a Response