المقالات

“مع السلامة سيدي الجنرال عوض أحمد خليفة..في أمان الله” .. عماد عبدالله

482views

… عماد عبدالله
تجاوزتُ هذا.. من سنين فعلت، منذ أن تبينت أن مبارية هذا الضرب من اللسان السوداني فيه مهلكة لمن كان في مثل عمري، فآثرت السلامة، وتربية عيالي بالتي هي أرفق.
وكنت سنين قبلها قد توكلت فأرخيت أضان الحامل للمزازيك القواتل.. ذلك من بعد إدماني العويل ذو النخجان كلما سمك ليل للخميس نواحي جزيرة التمساح على الازرق قبالة سوبا، والعهد زمانها ما قبل شريعة نميري الكتعاء: حلواً حميداً مستطاب.. والجزيرة حنانئذ غيد وقوارير وأباريق باقياتٍ صالحات في حال الدنقير والإطراق والذي منه.
كذا كنا نفعل الحياة.. ليل الخميس كله، حتى تفجعنا شمس للجمعة مباركة، فنقوم إلى شجيراتنا وظلال لائذات بها قوارب الكشافة البحرية، ظلال شحيحات الرحمة، لكنها ظلال على كل.

ومحمد سعد لا يني عصراً لمعالق جوفنا الأصلاً متندلات بالصبوح البهيج، وبالكلامات الوشاوش، والغناوي الخُنَّس من لدن صويحباتٍ -يزال حنيني لهن شبيب- ثم يقول كدي ود سعد يشق حشانا بعثمان حسينه. وكنا وقتذاك مستثقفين منفوشين وعيال بيئتنا، نعف عن سماع المغاني غير المستوفيات لشروط الـ show off، فما كنا نسمع لغير المغنين المتاريس من صنف المحدثين الجداد لنج، أولئك الذين يلذ رفع كأسك مستحضرا متفشخرا بغناءهم اب سيرةً تزيد من رصيد اونطتك الورطانة فلهمة بيض.. فتمط من هبلٍ شلاليفك بالـ:
آااا أفتكر زي حقو الناس آااااا كذا كذا كذا..
والحال كذلك فعثمان حسين ورهطه كانوا في تقديرنا المقمبر: ضرب من الاحفوريات، ومومياءات أحق بهن المتاحف وأولى.
لكنه التكرار.. ثم ثقة مُحِبة في هذا البديع المحمد السعد جعلتنا نتلمس سككاً غير مطروقات في ذائقتنا.. ولدهشتنا وجدناها دروبا معبدة هينة سالكة في متاه الروح. فطرقناها متئدين في سلام الآمنين.

المهم.. حسبتني برأت من طاعون الغناوي الموجهات، وكذا من تلك ذوات الغرض الاستعراضي.. ذلك إثر تجاوزي لعمر “الدَّغور” ودخولى في سن النحنحة الجد جد. فاطمأن قلبي إذ الفود آل قطناً مارنجانياً زي اللوز.. وشعيرات الرأس إلى عتمور خلي من أيما صوفاية. فتلك متاريسي -قلتُ-، أهشُّ بها على نوع الغنا الزي كده. وحسبتني بذلك في كامل التطعيم ضد أدوات الغناء القواتل.. ظننتني، وقواتلي بقين: اللسان السوداني الطاعم، السلم الخماسي ابو تم تم، ثم أصوات سادتي زُمَّار الحي.

لكن هيهات.. هيهات
( عشرة الايام) زاملتني وأنا في عمر التِّنَي.. حتى كبرت فتدوعلتُ فمأمأتُ بقرونٍ كاملات، ولبلبتُ. لكنها جاءتني كرارة عندي، ففعلتْ هذه البتاعة فيَّ ما فعلت، وكنت مفوضاً امري لله فيها، ومديها الطرشا.. حتى شيئا فشيئا خفَتَ نقرها في طبلي و.. حمدت الله.

القال لي تاني اهبشها منو؟ ومن ذا الذي اوحى إليَّ بأن: يا زول فيها ام التلافيف تزال.. شيل ابريقك واستقبلها من جديد!!
ففعلت على مضضٍ مُدَّعَى.

جئتها فسمعت.
الكلمات ياهن الكلمات -فحنوط اللغة عند سيدي عوض احمد خليفة لا يدع للفسدان طريقاً في أجساد القصائد- وعثمان حسين ياهو عثمان حسين.. بصوته هذا الذي يرتق من هنا ليفتق من هناك، ينضم سبحته هنا ليبعثر لؤلؤات شديدة الهنجكة والغنج بجاي. وفرقة الاذاعة تحسن الضبح بأسن شفراتها والمِدى.. بنو لزينا هم لما يدوزنهم المدوزن.. وقد كان المدوزن مدوزناً لكل من رضى عنه الله من المغنين فيهم. رب كريم هو.. ما جعل له من بين ايدي لجان الاذاعة سداً، ولا من خلفه.. فانسرب مرق لينا. ليركبنا نحن المواطنون السامعون “الجن اللحمر”، وتنفتح نفوسنا للحياة فتطيب.
كل ذلك كويس، إذ لقيته ياهو زاتو.. طازجاً طيباً يبل الريق ويرطب الحشا.

ثم.. الصفارة !!؟؟:

ليه فجأة دون أسباب من غير عتاب أو لوم
أخترت غيري صحاب وأصبحت قاسي ظلوم
هان ليك فراقي خلاص وانا برضي حولك أحوم
كان عهدي بيك ترعاني وأجمل صلاتنا تدوم
( غاية المحبة سلام )

بعدك أماني هواي ياما جنيتا عدم
ولا عرفت صديق لي قلبي غير الهم
كم غيري يشدو سعيد وأنا في هواك مضرم
ما أظني يوم انساك ومن العذاب اسلم
( وأسلم من الأوهام )

ما كان فراقنا المر، في نيتي أو في إيديا
لكن قيودك أبت، قسّت ظروفي عليا
واتلاشت الاحلام، وين حسن ظنك بيّا
وريني إيه ضراك، لو كان صبرت شوية؟
( عمر السنين ايام )

الصفارة!!.. الصفارة التي تخرج لتدلف، تهبش لتلبع، تكلكل لتمسح، تنوني لتهرج، تتبتب لترصع.. من أول الصفقة للنساء امات موجة في المساير.. وشلاخهن عجب.. لحتى لملمتها لصوت سيدنا عثمان وهو يغلق ضبة كل كوبليه بآية في المحبة كريمة :
( غاية المحبة سلام )
( واسلم من الاوهام )
( عمر السنين ايام )

يا عوض احمد خليفة.. و( انا في هواك مضرم )؟؟؟؟
مُضضْرَمْ؟؟
مولع نار ذات ضرام ولهايب؟؟
مُضْرَمْ سيدي الجنرال؟؟
هل من عاقل يخرج بمثل هذا الكلام المتبتل في العشق؟، عشق يجعل صاحب الصفارة في جوقة الموسيقيين يسل روحه براهو، ويرسلها حزماً من حنينٍ، يلفها على كل مفردة، كفعل اليرقة تشرنق فيها روحاً هي مخرجتها بعد حين فراشة ملونة؟
الصفارة الواحدة دي؟؟ الزومبارة التي قتلتها آلات النفخ الآن.. آلات النفخ وآلات السلخ وسواطير وبرابير وشغلة تقيلة من الضوضاء العضيرة؟؟

فهذا بيانٌ للناس:
الصفارة المغزولة في لحن عشرة الايام.. كعبة،
فاجتنبوها.

Leave a Response